top of page

فنزويلا وعودة النظام القسري

فنزويلا وعودة النظام القسري

بقلم: محمد آصف نور


شهدت الأيام الأولى من عام 2026 واحدة من أخطر الصدمات التي هزت النظام الدولي منذ عقود. ففي الساعات الأولى من فجر الثالث من يناير، نفذت القوات الأمريكية عملية عسكرية عبر الحدود في عمق كاراكاس، ألقت خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وسلمتهما إلى الولايات المتحدة في غضون ساعات. وبحلول منتصف النهار، أعلنت واشنطن نجاح العملية، واصفة إياها بأنها ضربة حاسمة ضد إرهاب المخدرات والحكم الإجرامي.


بالنسبة لجزء كبير من العالم، تجاوزت دلالات هذا الحدث أهدافه المعلنة بكثير. فالاستيلاء العسكري على رئيس دولة في منصبه دون تفويض من الأمم المتحدة، وفي غياب أي هجوم مسلح على الولايات المتحدة، يمثل شرخاً خطيراً في النظام الدولي الذي ساد بعد عام ١٩٤٥. وهو يُشكك في فكرة أن السيادة، مهما كانت محل نزاع، تبقى محمية بالقانون لا خاضعة للقوة.


لم يأتِ هذا الحدث فجأة، بل سبقته أشهر من التصعيد الملحوظ. فمنذ منتصف عام ٢٠٢٥، أشرفت واشنطن على أكبر حشد عسكري لها في منطقة الكاريبي منذ عقود. وتم نشر مجموعات حاملات الطائرات الضاربة، والطائرات المقاتلة المتطورة، والغواصات، والطائرات المسيّرة، ووحدات العمليات الخاصة تدريجياً حول فنزويلا. وما وُصف علناً بالردع بات أقرب إلى الاستعداد. وبحلول وقت انطلاق العملية، كانت السيطرة الجوية والبحرية قد ترسخت بالفعل.


عندما انطلقت الغارة، فعلت ذلك بسرعة فائقة. استهدفت الغارات الجوية منشآت عسكرية وموانئ ومطارات في كاراكاس والمناطق المحيطة بها. تم إنزال قوات العمليات الخاصة تحت جنح الظلام، مما أدى إلى تحييد الأمن الرئاسي وإخراج أهدافها في غضون ساعات. من الناحية التكتيكية، أظهرت العملية تخطيطًا وتنسيقًا دقيقين. أما من الناحية السياسية والقانونية، فقد كشفت عن تراجع حاد في ضبط النفس.


يحتل القانون الدولي مركز الخلاف.


وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة بوضوح عن هذا القلق، محذراً من أن العملية تشكل سابقة خطيرة. ويعكس بيانه قلقاً أوسع نطاقاً لدى العديد من الدول من أن القانون الدولي يضعف من خلال الممارسة بدلاً من الطعن الرسمي. فعندما تتصرف الدول القوية خارج الأطر المتفق عليها وتبرر استخدام القوة بتفسير أحادي الجانب، تتآكل مصداقية القواعد الجماعية.


يستحق المنطق الاستراتيجي الكامن وراء العملية دراسة متأنية. تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تتجاوز 300 مليار برميل. في أعقاب الغارة، تحدث مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى علنًا عن دخول شركات الطاقة الأمريكية إلى فنزويلا وإعادة تشكيل قطاعها النفطي. لطالما ارتبطت السيطرة على موارد الطاقة بالقوة العالمية. في هذه الحالة، تتقاطع اعتبارات الطاقة مع منافسة استراتيجية أوسع، لا سيما الجهود المبذولة للحد من نفوذ شركاء خارجيين مثل الصين وروسيا في أمريكا اللاتينية.


لا يمكن تجاهل العوامل السياسية الداخلية. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في عام 2026 وتزايد الضغوط الاقتصادية محلياً، مثّلت التحركات الخارجية الحاسمة سرديةً للقوة والسيطرة. ويُظهر التاريخ أن العمليات الخارجية غالباً ما استُخدمت لحشد الدعم المحلي خلال فترات التوتر السياسي. إلا أنه عندما ترتبط هذه الحسابات باستخدام القوة، فإنها تُخاطر بربط الاستقرار الدولي بالدورات السياسية الداخلية.


في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية، تأثرت ردود الفعل بالذاكرة التاريخية. فقد خلّف التدخل الخارجي مرارًا وتكرارًا ندوبًا عميقة في المنطقة. وحذّرت حكومات البرازيل والمكسيك وكولومبيا وغيرها من أن العملية في فنزويلا تُشبه إحياءً للممارسات القسرية في نصف الكرة الأرضية، بدلًا من كونها تعاونًا حقيقيًا. وسرعان ما برزت مخاوف بشأن تدفقات اللاجئين، وعدم الاستقرار المطوّل، وخطر المقاومة المسلحة في حال تفاقمت الانقسامات الداخلية.


تواجه فنزويلا نفسها مستقبلاً محفوفاً بالمخاطر. فالسلطة السياسية محل نزاع، والتوترات الاجتماعية تتصاعد، والنفوذ الخارجي يُلقي بظلاله على الأوضاع الداخلية. ولا يزال احتمال استمرار عدم الاستقرار، والضغوط الإنسانية، والاضطرابات الاقتصادية قائماً. ومع ذلك، فإن الأهمية الأوسع ليوم 3 يناير/كانون الثاني تتجاوز حدود فنزويلا بكثير.


تمثل هذه الحلقة اختباراً حقيقياً للنظام الدولي، إذ تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الحوكمة العالمية لا تزال راسخة في القانون أم أنها تنزلق نحو نظام تُحدد فيه القوة الشرعية بشكل متزايد. وقد أبرز النقاش الذي دار في الأمم المتحدة، رغم انقساماته ومحدودياته، خطورة الموقف الراهن.


يشير التاريخ إلى أن الأنظمة التي تُفرض بالقوة وحدها غير مستقرة. فعندما تُحرف القواعد لتحقيق مصالح آنية، تفقد في نهاية المطاف قوتها الملزمة. لذا، فإن ما حدث في فنزويلا ليس مجرد أزمة إقليمية أو مواجهة ثنائية، بل هو بمثابة جرس إنذار في السياسة العالمية.


الكاتب هو مؤسس منتدى أصدقاء مبادرة الحزام والطريق.


صورة مقدمة من رويترز


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page