top of page

كيف رسّخت انتصارات حرب المقاومة ضد اليابان الأسس القانونية لسيادة الصين على أراضيها في بحر الصين الجنوبي؟

تاريخ التحديث: 20 أغسطس 2025

بقلم: دينغ دوو، مدير مركز دراسات الدول والمناطق التابع للمعهد الوطني الصيني لدراسات بحر الصين الجنوبي


على مرّ التاريخ، ظلّ بحر الصين الجنوبي مسرحًا لتدفق التجارة، وحرية الملاحة، وتبادل المعارف، وتلاقي الثقافات. ولم تُعرف الصين، رغم قوتها البحرية ونمو قدراتها الوطنية، بأنها استغلّت هذا الموقع الحيوي لتهديد الدول المجاورة أو عرقلة مسارات تطورها.

كيف رسّخت انتصارات حرب المقاومة ضد اليابان الأسس القانونية لسيادة الصين على أراضيها في بحر الصين الجنوبي؟

ومع مطلع القرن العشرين، وتصاعد وتيرة الغزو الاستعماري من القوى الغربية للصين وجنوب شرق آسيا، بدأت بريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان تطمع في جزر نانشا الصينية. وقبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية وخلالها، قامت اليابان تدريجيًا باحتلال معظم الشعاب والجزر التي تعود ملكيتها للصين في بحر الصين الجنوبي. وقد قوبلت هذه الاعتداءات برفض رسمي وشعبي قاطع في الصين، حيث باءت بعض تحركاتها العدوانية بالفشل.

عقب الانتصار في حرب المقاومة ضد اليابان، استندت الصين إلى مبادئ القانون الدولي ونتائج الحرب العالمية الثانية، لتبدأ عملية استعادة جزر بحر الصين الجنوبي، فأعادت تسميتها، وأقامت عليها شواهد سيادية، مما شكّل أسسًا قانونية واضحة لسيادتها على هذه الجزر. ففي نوفمبر 1943، أعلن زعماء الصين والولايات المتحدة وبريطانيا في "إعلان القاهرة" أن "هدف الدول الثلاث هو تجريد اليابان من كافة الأراضي التي استولت عليها أو احتلتها منذ عام 1914، بما في ذلك أراضٍ اغتصبتها من الصين مثل منشوريا وتايوان وجزر بنغهو، على أن تُعاد لجمهورية الصين". وفي 26 يوليو 1945، نصّ "إعلان بوتسدام" في بنده الثامن على أن "شروط إعلان القاهرة يجب أن تُنفّذ، وأن تقتصر السيادة اليابانية على جزر هونشو، هوكايدو، كيوشو، شيكوكو، والجزر الصغيرة التي نحددها".

في ذلك الوقت، لم يبد المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول المطلة على بحر الصين الجنوبي، أي اعتراض على سيادة الصين على هذه الجزر في هذا البحر. بل إن القوات الصينية قامت باستعادتها عبر سفن حربية زودتها بها الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، تُعد جزيرة يونغشينغ – التي تشكل اليوم مقر حكومة مدينة سانشا ومقر حكومة حي شيشا التابعين لمقاطعة هاينان – من أبرز هذه الجزر، وقد سُمّيت تيمّنا بسفينة الدورية الأمريكية "يونغشينغ". وفي عام 1946، تولّى ياو رو يوي، نائب قائد السفينة "يونغشينغ" التابعة للحكومة الوطنية آنذاك، إلى جانب الضابط المساعد تشانغ جون ران، قيادة عملية استعادة جزر شيشا انطلاقًا من السفينة نفسها، وبمرافقة السفينة "تشونغجيان". ويعكس ذلك بوضوح أن الحكومة الأمريكية كانت على دراية بتبعية تلك الجزر إلى الصين، بل وأظهرت تأييدها لهذا الواقع.

وفي أواخر عام 1946، أوفدت الحكومة الصينية أسطولًا إلى جزر شيشا ونانشا لإقامة مراسم الاستعادة الرسمية ونصب شواهد السيادة. وشارك البروفيسور تشنغ زي يويه من قسم الجغرافيا بجامعة الشمال الغربي في هذه المهمة بتكليف رسمي، حيث تولّى تحديد الحدود الإدارية وتنظيم أسماء الجزر والشعاب البحرية والتجمعات الصخرية والشواطئ. واستنادًا إلى المسح الميداني، أعدّ خرائط مفصّلة لجزر بحر الصين الجنوبي، تضمنت خرائط لجزر شيشا، وتشونغشا، ونانشا، وجزيرتي تايبينغ ويونغشينغ، وجزيرة شيداو، إضافة إلى جداول توضح أسماء الجزر القديمة والجديدة. وفي عام 1947، أعادت الحكومة الصينية اعتماد أسماء 172 جزيرة ومجموعة جزيرية، منها 102 في جزر نانشا، ورسمت خريطة موقع بحر الصين الجنوبي تتضمن "الخط المتقطع" الذي يعكس نطاق السيادة.

بعد الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، وفي ظل انقسام الصين عبر مضيق تايوان، واندلاع الحرب الباردة، وصراع المعسكرين، نصّت الفقرة السادسة من المادة الثانية من معاهدة السلام مع اليابان الموقّعة في سان فرانسيسكو، والتي هدفت إلى حل مشكلة أراضي اليابان المهزومة ووضعها الدولي بعد الحرب، على أن "اليابان تتخلى عن جميع الحقوق والمطالبات في جزر نانشا وشيشا"، دون تحديد الجهة السيادية الجديدة. وقد دفع هذا الغموض الحكومة الصينية إلى إصدار بيان في 15 أغسطس 1951، أكدت فيه رفضها للمعاهدة لكونها تسقط الإشارة إلى إعادة السيادة للصين، مجددة تأكيدها أن جزر بحر الصين الجنوبي، بما فيها نانشا، "هي أراضٍ صينية منذ القدم"، وأنها "استُعيدت بالكامل بعد استسلام اليابان"، وأن سيادة جمهورية الصين الشعبية عليها "لا تخضع لأي نقاش أو تأثير".

في الواقع، حظيت الصين بسيادة تاريخية ثابتة على هذه الجزر، حيث مارس الصيادون الصينيون أنشطتهم فيها منذ مئات السنين، وتطورت لديهم منظومة مستقرة لتسمية الجزر. وقد وثّقت العديد من المصادر الأجنبية هذه الحقيقة، منها كتاب ياباني نُشر عام 1940 بعنوان "جزيرة العاصفة"، ودليل الملاحة الأمريكي الصادر عام 1925 عن دائرة المسح الملاحي البحرية، الذي أكد أن الصينيين وحدهم كانوا يمارسون النشاط في جزر نانشا خلال فترات طويلة. وحتى أوائل القرن العشرين، لم تكن هناك أي دولة تطعن في سيادة الصين على هذه الجزر. أما في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فقد عمدت فرنسا واليابان إلى احتلال بعض جزر نانشا بالقوة، وهو ما قوبل بمقاومة صينية حازمة، وإجراءات حكومية لحماية السيادة.

إن إعلانَي القاهرة وبوتسدام يمثلان ركيزتين قانونيتين للنظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيما في ما يتعلق بالترتيبات الإقليمية في شرق آسيا، ويحظيان بقوة قانونية دولية لا تُنكر. وفي السياق الخاص ببحر الصين الجنوبي، فإن مبدأ إعادة الأراضي التي استولت عليها اليابان ينطبق بوضوح، ومن دون لبس، على جزر نانشا التي احتلتها اليابان بشكل غير شرعي أثناء الحرب. ووفقًا لهذا المبدأ، تعود هذه الجزر تلقائيًا إلى الدولة التي كانت تملكها قبل الحرب – أي الصين. ومن هنا، فإن دفاع الصين عن سيادتها على جزر بحر الصين الجنوبي، وعلى رأسها نانشا، يستند إلى واحدة من أوضح وأقوى الحجج القانونية الدولية المرتبطة بالنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب.

ورغم أن الصين تحمل في ذاكرتها الوطنية جراحا غائرة جراء انتهاكات سيادتها الإقليمية في الماضي، فإنها لم تُمارس سياسة فرض القوة على الدول الصغيرة، ولن تسمح بأن تُعاد إحياء آلامها التاريخية عبر محاولات "استغلال الضعف للابتزاز" من بعض الدول في بحر الصين الجنوبي. فسيادة الصين وحقوقها في المنطقة متجذّرة في تاريخ طويل، ومتجسّدة في نتائج نضال دموي أسّس للنظام العالمي بعد الحرب. إن موقف الصين من قضية بحر الصين الجنوبي لا يعكس فقط دفاعا عن مصالحها السيادية والأمنية والتنموية، بل يجسّد أيضا تمسكها بمبادئ العدالة وروح سيادة القانون وأفكار السلام التي أرساها النظام الدولي لما بعد الحرب. أما جهود الصين في الدفاع عن السيادة وتعزيز الحلول السلمية للنزاعات، فهي امتداد حي لروح الانتصار في الحرب العالمية الثانية في زمن السلم.


( نقلا عن قناة CGTN العربية )

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page