top of page

الإعلام وصناعة الحضارة: بين الحلم الأمريكي وتجديد اليابان والتحدي الصيني

لم يعد الإعلام في زمننا الحديث مجرد وسيلة لنقل الخبر أو سرد الوقائع، بل أصبح هو الخيط الذي تُنسج به الحضارات وتُصاغ من خلاله هوية الأمم وصورتها أمام نفسها وأمام العالم. إن الإعلام ليس انعكاسًا للواقع فحسب، بل هو صانع له، وفاعل أساسي في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام، بل وحتى في ترسيخ سرديات كبرى تعلو على الحقائق أحيانًا.

الإعلام وصناعة الحضارة: بين الحلم الأمريكي وتجديد اليابان والتحدي الصيني

فالقوة الناعمة التي تُنتجها السينما، والتلفزيون، والصحافة، ومنصات التواصل، لم تعد أقل شأنًا من القوة الصلبة المتمثلة في الجيوش والاقتصاد. بل لعلها في أحيان كثيرة تتجاوزها تأثيرًا وعمقًا، إذ تُكسِب تلك القوى شرعية، وتجعلها مقبولة ومحببة، أو على العكس، مشبوهة ومرفوضة.


أولاً: الحلم الأمريكي وصناعة الهيمنة عبر الإعلام


منذ بدايات القرن العشرين، أدركت الولايات المتحدة أن الإعلام ليس زينة للسياسة بل عمادها. فبينما كانت أوروبا ما تزال تئن تحت وطأة الحروب، كانت أمريكا تُصدر إلى العالم صورة جديدة: بلد الفرص والحرية.


هوليوود وصناعة الخيال الجماعي

لم يكن صعود هوليوود حدثًا ثقافيًا فحسب، بل كان مشروعًا سياسيًا بامتياز. فمن خلال السينما نسجت أمريكا حلمًا عالميًا: شاب فقير يصعد إلى القمة بفضل العمل الجاد، الحرية كقيمة مطلقة، والديمقراطية كحلم إنساني مشترك. كانت الأفلام نافذة العالم على أسلوب الحياة الأمريكي، وبالتدريج أصبحت الثقافة الشعبية الأمريكية مرجعًا يتبناه الملايين طوعًا.


الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة

في هذه اللحظة التاريخية الحساسة، وظّفت أمريكا إعلامها لتظهر كمنقذ العالم من الفاشية والنازية، ثم كحامية له من الشيوعية. لم تكن هذه مجرد سرديات، بل منظومات خطابية متكاملة: الأفلام، الصحف، الإذاعات، كلها عززت صورة أمريكا كزعيمة "العالم الحر".


شبكات الأخبار العالمية – من المحلية إلى الكونية

مع بروز CNN في حرب الخليج عام 1991، تحولت أمريكا إلى المايسترو الذي يضبط إيقاع الخبر على مستوى العالم. لم يعد الأمر مجرد نقل للحدث، بل إعادة صياغته في إطار يخدم الرواية الأمريكية. ومن هنا تكرّست مقولة: "من يملك الخبر يملك العالم".


لقد استطاعت أمريكا أن تجعل هيمنتها مقبولة لأنها جاءت مغلفة برواية إعلامية جذابة. إن "الحلم الأمريكي" لم يكن سياسة بقدر ما كان قصة عظيمة، سردها الإعلام وأقنع بها العالم.


ثانياً: اليابان – التحول من عدو مهزوم إلى نموذج راقٍ


إذا كانت أمريكا قد وظفت الإعلام لبناء هيمنة جديدة، فإن اليابان وظفته لتغيير جلدها، بل لإعادة ولادتها كأمة جديدة.


من صورة العدو إلى صورة الصديق

بعد الحرب العالمية الثانية، كانت صورة اليابان في المخيال العالمي مرتبطة بالعنف العسكري والدمار. لكن اليابان، بدلًا من أن تبقى أسيرة هذا الماضي، استخدمت الإعلام والثقافة لإعادة بناء هويتها.


القوة الناعمة – الثقافة الشعبية والتكنولوجيا

مع صعود الأنيمي والمانغا، بدأت صورة اليابان تتغير تدريجيًا. لم تعد تُرى كأمة محاربة، بل كأمة مبدعة تنتج فنونًا فريدة. ثم جاءت التكنولوجيا لتُكمل الصورة: اليابان بلد الدقة والانضباط، والاختراعات الحديثة التي تغزو العالم.


الشعب الراقي

عبر الإعلام، والسياحة، والصادرات الثقافية، أصبحت صورة الياباني مرتبطة بالتهذيب، والذوق الرفيع، والانفتاح على العالم. لقد تحولت اليابان في بضعة عقود من رمز للدمار إلى رمز للحداثة والرقّي.


ما فعلته اليابان يبرهن أن الإعلام قادر ليس فقط على تلميع صورة قائمة، بل على إعادة كتابة التاريخ وصياغة هوية جديدة تمامًا.


ثالثاً: الصين – قوة صاعدة وصورة متنازع عليها


بينما نجحت أمريكا في صناعة حلم، واليابان في تجديد صورتها، تقف الصين اليوم أمام تحدٍ هائل: كيف تُقنع العالم بسرديتها؟


محاولة بناء سردية جديدة

أطلقت الصين شبكات إعلامية كبرى مثل CGTN لتخاطب العالم بلغات متعددة، وربطت مشروعها التنموي الضخم "الحزام والطريق" بحملة إعلامية تُظهرها كقوة تمد يدها للتنمية والتعاون.


العقبات الراسخة

غير أن صورتها في المخيال الغربي والعالمي ما تزال مشوبة بالريبة: دولة قوية، نعم، لكنها مرتبطة بالرقابة، وبنظام سياسي مغلق، وبمنافسة حادة مع الغرب. هذه الصورة تجعل من الصعب على روايتها أن تحظى بجاذبية إنسانية عالمية كتلك التي صنعتها أمريكا أو اليابان.


الثقافة الشعبية – بداية لم تكتمل

صحيح أن السينما الصينية، ومنتجاتها الثقافية، بدأت تخترق الأسواق العالمية، لكنها لم تكتسب بعد نفس الجاذبية أو الانتشار الواسع الذي صنعته هوليوود للأمريكيين أو المانغا والأنيمي لليابانيين.


الصين إذن قوة صاعدة اقتصاديًا وعسكريًا، لكن قوتها الناعمة لا تزال في طور التشكل. وهنا تكمن المفارقة: الاقتصاد يصنع النفوذ، لكن الإعلام هو الذي يحدد كيف يُنظر إلى هذا النفوذ، هل كتهديد أم كفرصة؟


الدرس من التجارب


إن التجربة الأمريكية تُعلمنا أن الهيمنة لا تُبنى على القوة وحدها، بل على سردية تجعل هذه القوة مرغوبة ومُقنعة.

وتُعلمنا التجربة اليابانية أن الإعلام قادر على غسل ذاكرة الشعوب من صورها السلبية، وصياغة هوية جديدة بالكامل.


أما الصين، فهي أمام لحظة فارقة: تمتلك الأدوات المادية الصلبة، لكنها لم تكتب بعد القصة التي تجعل من هذه الأدوات قوة ناعمة آسرة. وفي التاريخ شواهد كثيرة على أن القوة التي تُخيف تُحارب، بينما القوة التي تُقنع تُتبع.


إن السؤال الذي يواجه الصين اليوم ليس: "كيف نصبح أقوى؟" بل: "كيف نُروى للعالم؟". فمن دون سردية إنسانية كبرى، قد تظل الصين غريبة في نظر الآخرين مهما تعاظم اقتصادها. ومن يترك للآخرين كتابة قصته، عليه أن يقبل أن تُروى بلسان غيره


تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page