top of page

البدو الرحل الذين يحكمون العالم

في التاريخ البشري، لطالما ارتبطت مفاهيم السيطرة والهيمنة بالقوة الجغرافية، والاستقرار الحضاري، والتراكم الثقافي الطويل. لكن ثمة ظاهرة شاذة في هذا السياق تفرض نفسها بقوة: شعب بدأ كبدو رحّل، بلا أرض ثابتة ولا هوية متجانسة، ثم استطاع أن يتحول إلى أحد أكثر الشعوب تأثيرًا في النظام العالمي المعاصر.


البدو الرحل الذين يحكمون العالم

هذا المقال لا يسعى إلى المدح أو الذم، بل إلى التحليل العقلاني: كيف يتحول شعب طُرد من كل أرض، ورفضته أغلب الحضارات، وتعرض للمجازر والاضطهاد، إلى قوة ناعمة قادرة على التأثير العابر للقارات؟

كيف استطاع اليهود، عبر قرون من الشتات، أن يعيدوا اختراع ذاتهم، ويصنعوا لأنفسهم هوية مركبة، ويحوّلوا اضطهادهم التاريخي إلى رأسمال رمزي يُستثمر في المال، والإعلام، والسياسة؟

ولعل المفارقة الكبرى أن نفس الشعب الذي تروى عنه الأساطير باعتباره عبيدًا مضطهدين في مصر القديمة (وفقًا لسرديتهم الدينية)، تحول لاحقًا إلى قوة مدمّرة للشعوب المجاورة في كنعان، بحسب ذات الرواية. من ضحية للعبودية إلى ممارس للاستعباد، ومن مشروع إبادة في أوروبا النازية إلى مشروع تفريغ واستعمار في فلسطين. هذا التحول المفصلي هو جوهر مقالنا الذي ننشره على حلقتين.

لكن ما يزيد الظاهرة تعقيدًا هو أن الرواية التي يعتمد عليها هذا الشعب في بناء هويته التاريخية، لا تجد ما يدعمها لا في علم الآثار، ولا في التوثيق الأكاديمي الحديث – بل إن كثيرًا من مؤرخيهم وعلمائهم ينفونها.

المؤرخ الإسرائيلي المعروف "إسرائيل فنكلشتاين"، أحد أبرز علماء الآثار المعاصرين، قال في مقدمة كتابه المشترك مع نيل آشر سيلبرمان (التوراة اليهودية المحفورة في الأرض – The Bible Unearthed):

"الملك سليمان الذي تصفه التوراة كصاحب إمبراطورية مزدهرة، لم نتمكن من العثور له على أي أثر معماري أو إداري يؤكد وجود تلك المملكة. ربما لم توجد أصلًا."

فما الذي يعنيه أن تبني أمة هويتها وسرديتها على أساطير؟

لفهم ذلك، يمكننا النظر في أمثلة من شعوب أخرى بنت سرديات مشابهة لتعزيز هويتها القومية، مثل الشعب الروماني الذي نسج قصة رومولوس وريموس كأساس أسطوري لقيام روما، أو الشعب الياباني الذي استمد شرعية الإمبراطورية من نسب إمبراطورهم الأول لإلهة الشمس "أماتيراسو". إلا أن الفرق الجوهري أن هذه الشعوب امتلكت لاحقاً أدوات حضارية ملموسة عززت روايتها، بينما في حالة اليهود، فإن عملية بناء الهوية اعتمدت بشكل أكبر على السرد الأسطوري كبديل عن شواهد مادية أو تاريخية مؤكدة، وهو ما يجعل تحليل هذه الحالة مختلفًا وملفتًا في آن واحد. لا يدعمها العلم؟ وما الذي يعنيه أن تستثمر هذه الأساطير لتبرير احتلال وقتل وتشريد شعب آخر في العصر الحديث؟

سنخوض في هذا المقال عبر عدة محاور وفصول، منها:

  1. كيف تشكّلت الهوية اليهودية من عناصر مفككة ومسروقة من حضارات أخرى؟

  2. كيف تحولت عقدة الاضطهاد إلى أداة قوة ناعمة؟

  3. كيف فشلت الروايات الأثرية في تأكيد وجود ممالك داوود وسليمان؟

  4. كيف تحوّلت تهمة "معاداة السامية" إلى حصانة عالمية ضد أي نقد سياسي؟

هذا المقال ليس دعوة للكراهية، بل محاولة لفهم آليات السيطرة من منظور تاريخي ونفسي وسياسي. فهم الحالة اليهودية ليس فقط لفهمهم، بل لفهم كيف تُبنى السرديات وكيف تُدار الأمم.


الفصل الأول: من الشتات إلى الشبكة


على عكس معظم الشعوب التي تفقد هويتها تدريجيًا عند الشتات، استطاع اليهود تحويل تشتتهم إلى شبكة دولية غير مركزية. هذه الشبكة – التي بدأت بتجمعات تجارية ومجتمعية مغلقة – تحولت لاحقًا إلى بُنى اقتصادية وثقافية عابرة للقارات. فبدلًا من أن يكونوا ضحايا الشتات، أصبحوا مستفيدين منه، متغلغلين في مفاصل اقتصادات أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط.

كانت ميزة اليهود تكمن في أمرين: أولًا، وحدتهم العقائدية/الثقافية التي حافظت على تماسكهم. ثانيًا، موقعهم كوسطاء ماليين وتجاريين بين الشعوب، وهو ما أعطاهم نفوذًا مضاعفًا رغم قلتهم العددية.

هذا الوضع منحهم قدرة نادرة على النجاة والارتقاء في بيئات معادية، وتحولوا من "غرباء" إلى "أصحاب نفوذ" في العديد من الممالك الأوروبية، دون الحاجة لامتلاك أرض أو دولة.


1. الشتات: بداية مرنة، ليست نهاية

لم يكن الشتات اليهودي سقوطًا نهائيًا بل تحولًا، وتصميمًا على البقاء عبر وسائل غير تقليدية. منذ طردهم لبلادهم في العصور القديمة، اجتاحوا بابل وفارس وأوروبا، لكن ما جعلهم متميزين فعلاً هو قدرتهم على تشكيل كيانات اجتماعية ذاتية الحكم – مثل "الكيهال" (Kahal) في أوروبا الوسطى، والذي نظّم شؤون الجاليات رغم القمع والاضطهاد.

دليلًا على أن هذه الشبكات لم تكن فقط دينية، بل ثقافية وتعليمية، يظهر مدى ترابط الجاليات اليهودية: مؤرخون يشيرون إلى أن اليهود كانوا "أوروبيين قبل الأوان" بفضل لغتهم المتعددة وحركتهم في المدن الأوروبية


2. الاقتصاد كخُطة بقاء واستثمار سياسي

قدرتهم على تحويل نشاطات منبوذة—مثل الإقراض بفوائد—إلى وسيلة للنفوذ كانت مركزية. عائلة روثمان، على سبيل المثال، استخدمت شبكة مصرفية دولية، أسسها ماير آمشيل روثمان عبر 5 فروع رئيسية (فرانكفورت، لندن، باريس، فيينا، نابولي)، ما منحهم ميزة في تنقل الأموال والمعلومات سريعًا

خلال حروب نابليون، قدم ناثان روثمان تمويلًا حاسمًا للبريطانيين، مثل تسهيلات مالية ضخمة بعد 1815. في القرن التاسع عشر، كانت العائلة تمول البنية التحتية: سكك حديد، مناجم، وحتى قناة السويس؛ الأمر الذي يساعدها على السيطرة داخل الاقتصاد الأوروبي

فيفيات، أحد المؤرخين مثل نايال فيرغسون وصف أن:

"في معظم القرن التاسع عشر، كان ناثان روثمان جزءًا من أكبر مصرف في العالم الذي سيطر على سوق السندات الدولية… أشبه بدمج Merrill Lynch وGoldman Sachs وصندوق النقد الدولي دفعة واحدة."


3. من الشتات المتفرّق إلى شبكة عالمية

شبكة اليهود لم تقتصر على أوروبا وحسب، بل امتدت إلى شمال أفريقيا، تركيا، وأمريكا. اللغة والثقافة المشتركة (يديش/لادينو)، والجاليات اليهودية العابرة للقارات، وفرت قدرًا غير مسبوق من التواصل والدعم المتبادل.

مؤرخ مثل سُجن داوبنوو اقترح مفهوم "الاستقلالية العابرة للدولة" (Diaspora autonomy)، وهي رؤية ترى الشتات ليس كنكسة، بل كقاعدة لمجتمع متنقل قادر على التنظيم الذاتي والتعبير السياسي

في عصر الإعلام والإنترنت، تحوّل الشتات إلى قوة ناعمة مزوّدة بتأثير حقيقي، من أثناء اللوبيات الدولية إلى دعم مشاريع إسرائيلية.

- الشتات لم يدمّر الهوية، بل ولّدها في ظروف قاسية.

- الاقتصاد كان وسيلة بقاء ونفوذ بعد منع اليهود من الزراعة والمهن التقليدية.

- شبكة الشتات نتاج انتخابي: مبنية على الدين واللغة والتضامن الاجتماعي، ودعمتهم في بناء اقتصاد عالمي ونفوذ سياسي.


الفصل الثاني: بناء هوية فوق أنقاض التاريخ


عند البحث في أصول الهوية اليهودية، نجد أن فكرة "الشعب العرقي المتجانس" لا تصمد أمام النقد العلمي. فاليهود الأشكناز والسفارديم والفلاشا وغيرهم، يختلفون جذريًا في العِرق والثقافة واللغة. ومع ذلك، تم خلق سردية دينية/تاريخية تجمعهم تحت مظلة واحدة.

بحسب المؤرخ شلومو ساند، في كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، فإن الهوية اليهودية الحديثة صُنعت في القرن التاسع عشر ضمن مشروع قومي شبيه بالمشروعات القومية الأوروبية. لم تكن هناك أمة يهودية بالمعنى الحديث، بل جماعات دينية متناثرة تم ضمها لاحقًا إلى كيان قومي مختلق.

ولتعزيز هذه الهوية، تم السطو الثقافي على حضارات أخرى: مثل نسب ملوك كنعانيين وبنّى معمارية فرعونية إلى بني إسرائيل، وادعاء أن مملكة داوود كانت مركزًا حضاريًا بينما علم الآثار يُكذّب ذلك.


1. هوية مختلقة.. وليس ثابتة

في القرن التاسع عشر، ومع ميلاد القوميات الحديثة، شهدنا نزعة لإعادة تأليف الجماعات إلى "أمم" ذات جذور متصلة وأصول عرقية. شلومو ساند في كتابه الأيقوني "اختراع الشعب اليهودي" (The Invention of the Jewish People) يشرح أن الهوية اليهودية — كما نراها اليوم — ليست استمرارية طبيعية عبر التاريخ، بل "اختراعًا" قائمًا على السرديات المزيفة والمستوردة من الغرب الأوروبي. ويشير إلى أن هذا "الاختراع" كان ردًّا على الهشاشة الديموغرافية والتفكك الاجتماعي، لا على التاريخ الحقيقي للشعب اليهودي

ساند يحدد تدمير الهيكل الثاني في 70 م كنقطة تحول، لكنها لم تُحدث توحيدًا أو هجرة جماعية كما يُروى، بل شكّلت فرصة للرغبة في بناء سرد قومـي يُعوض عن الفراغ التاريخي


2. الأساطير تُخفي التناقضات التاريخية

الرواية التوراتية تصف مملكة عظيمة تحت حكم داوود وسليمان، لكن الحفريات الحديثة تُظهر واقعًا مغايرًا. وفقًا لإسرائيل فنكلشتاين ونيل آشر سيلبرمان في The Bible Unearthed، تشير الأدلة الأثرية إلى أن القدس كانت "قرية جبلية تقليدية" وليس عاصمة إمبراطورية، وأن المملكة الموحدة قد تم تأليفها من إنجازات ملوك أومري في القرن التاسع ق.م

وقائلون آخرون مثل Hoffmeier يصفون رواية "الملكة المتحدة" بأنها مبنية على خرافات، بينما الاكتشافات الحديثة مثل موقع خربة قيفافة قد تدّعم وجود هيكل إداري، لكنها لا تؤكد العظمة المطلقة لكينونة الدولة اليهودية الموحدة


3. سرديات قومية... ليست فريدة

الميزة الأساسية في تحليل ساند هو رؤية أن الهوية القومية مبنية مثلًا كما تم بناؤها للشعوب الأوروبية: أمثال الرومانيون عبر أسطورة رومولوس وريموس، أو اليابانيون عبر انحدار الإمبراطور من إلهة الشمس. لكن هؤلاء الشعوب كان لديها في النهاية أسس حضارية ملموسة لدعم سردياتهم. اليهود، بالمقابل، بنوا هويتهم على سرديات أسطورية، دون دعم أثري أو اجتماعي متماسك يجعل الأمر مختلفًا تمامًا.


4. نقد من داخل الفكر اليهودي الأكاديمي

حتى داخل الوسط الأكاديمي الإسرائيلي، ثمة اعتراضات معتبرة على هذا البناء السردي. على سبيل المثال، كتاب The Founding Myths of Israel للباحث زيف شترنهيل (Zeev Sternhell) يهاجم المشروع القومي الصهيوني ويصفه بأنه استعان بأساطير تربط بين القومية والاشتراكية، ليقتل بذلك أي بعد إنساني أو تعددي في المشروع الصهيوني

- الهوية اليهودية المعاصرة هي نتاج مشروع قومي حديث، وليس تراكمًا تاريخيًا طبيعيًا.

- الأساطير التأسيسية، مثل مملكة داوود أو علاقة شعبية زمن الشتات، لا تدعمها الأدلة الأثرية.

- القومية اليهودية تشترك في عمق البناء الأيديولوجي مع أمم أخرى، لكن بدون سرد حضاري ملموس، مما يجعل الحالة فريدة وفريدة تمامًا.


في هذا الجزء الأول من رحلتنا عبر التاريخ، لم نكتفِ بتتبع خطوات شعبٍ رحل من صحراء الشتات، بل تتبعنا أيضًا خيوط السرديات التي نسجها حول نفسه في لحظات التيه والاضطهاد. من روايات النفي والاستعباد، إلى محاولات خلق هوية مستقلة فوق أنقاض التاريخ الفعلي، رأينا كيف تحوّل المأزق إلى منهج، والضياع إلى أداة للبقاء وإعادة التموضع.


لكن ما بدأ كصراع للبقاء تحوّل تدريجيًا إلى مشروع للسيطرة والتأثير، لا بالسيف فقط، بل بالكلمة، بالصورة، وبالمؤسسات العابرة للقارات. وهذا ما سنواصل تحليله في الجزء الثاني من المقال، حين نغوص أكثر في الأدوات الحقيقية التي مكنت هذا الشعب من الانتقال من موقع الهامش إلى مركز القوة.

1 تعليق واحد

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
الضيف
07 أغسطس 2025
تم التقييم بـ 5 من أصل 5 نجوم.

👍

إعجاب
bottom of page