السينما الصينية: قوة فنية في نهضة المجتمعات وتحدي الهيمنة الثقافية لهوليوود
- Sherifa Elsos
- 18 سبتمبر 2025
- 2 دقيقة قراءة
السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة ثقافية وسياسية تلعب دوراً جوهرياً في بناء الهوية الوطنية وتشكيل الوعي المجتمعي. في الصين، تجاوزت السينما وظيفتها التقليدية لتحقق نهضة فنية واجتماعية تسهم في تعزيز الانتماء الوطني والوعي بالتاريخ والقيم، وفي الوقت ذاته تنافس السينما الأمريكية (هوليوود) التي طالما سيطرت على صناعة الترفيه عالمياً وفرضت سرديات تمجد الهيمنة الأمريكية من خلال أفلامها. إن السينما الصينية باتت اليوم مشروعاً متكاملاً يعكس رغبة الصين في بناء نفوذ ثقافي متوازن يعبّر عن قوتها الناعمة لمواجهة الهيمنة الغربية.

دور السينما الصينية في نهضة المجتمع
كانت السينما الصينية منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 أداةً هامة لتوحيد البلاد وتعزيز القيم الوطنية. عبر الأجيال المختلفة، مثل الجيل الخامس من المخرجين، ظهرت أفلام تناقش قضايا اجتماعية، تاريخية وثقافية بعمق، مثل فيلم واحد وثمانية (1983) الذي أعاد تصوير الريف الصيني بأسلوب شعري، وفيلم لاعبة السلة رقم خمسة (1957) الذي يُبرز شخصية وطنية نسائية تحقق إنجازاً رياضياً بمثابرتها وعزيمتها. هذه الأفلام عززت قيم التضحية، الوحدة، والعمل الجماعي كركائز لبناء مجتمع متماسك.
وفي السنوات الأخيرة، برزت أفلام وطنية ضخمة مثل My People, My Country (2019) وWolf Warrior 2 (2017) التي حققت نجاحاً كبيراً على المستويين المحلي والعالمي. Wolf Warrior 2 يجسد الروح الوطنية الصينية من خلال قصة بطولية تعبّر عن قدرة الصين على حماية مصالحها ومواطنيها خارج حدودها، ما يعكس توجه الدولة في استخدام السينما كوسيلة لتعزيز الفخر الوطني والتواصل العالمي.
السينما الصينية وهوليوود: صراعات وتحديات في نقل الهيمنة الثقافية
هوليوود لطالما سيطرت على السوق السينمائي العالمي، وفرضت سرديات تمجد الثقافة والسياسة الأمريكية. هيمنة هوليوود لا تقتصر فقط على الأفلام، بل تمتد لفرض قيم وسياسات بصورة ناعمة تؤثر على الجمهور العالمي. في المقابل، تدرك السينما الصينية أهمية مواجهة هذا النفوذ من خلال إنتاج أفلام ضخمة ذات جودة عالية تعكس قيم الصين وهويتها الثقافية والسياسية. إذ تعمل الصين على خلق بدائل سينمائية تبرز القصص الوطنية وتعزز من سرديات السيادة والاستقلال.

على سبيل المثال، أفلام مثل Hero (2002) لتشانغ ييمو، الذي يعتبر من أبرز مخرجي الجيل الخامس، جمعت بين الجمالية البصرية والتاريخ الصيني، مقدمة سرداً بطولياً يعزز قيم الوحدة والقوة الوطنية. هذا الفيلم حقق نجاحاً كبيراً داخلياً وعالمياً وأثبت أن السينما الصينية تستطيع منافسة هوليوود في تقديم قصص ذات محتوى محلي بشعبية عالمية.

تسعى هوليوود إلى تحقيق توازن في السوق الصينية من خلال إدخال عناصر ثقافية صينية في أفلامها لتلبية متطلبات الرقابة وجذب الجمهور الصيني، كما في فيلم Mulan (2020). لكن الصين شديدة التحفظ تجاه هذه المحاولات، حيث تراقب وتضبط المحتوى لضمان عدم تأثر هويتها الوطنية.
السينما أداة نفوذ ناعم واستراتيجية ثقافية
تبنّت الصين استراتيجية واضحة لجعل السينما جزءاً من نفوذها الناعم، مستفيدة من قدرتها الاقتصادية المتنامية لإنتاج أفلام ضخمة تروّج للرؤية الصينية داخلياً وخارجياً. السينما ليست فقط وسيلة لإمتاع الجمهور، بل منصة لتعزيز القيم الوطنية، والتواصل مع الشتات الصيني في الخارج، وتعزيز صورة الصين كقوة عالمية حديثة يجب احترامها. من هنا تنبع أهمية أفلام تحمل رسائل سياسية واضحة مثل Beginning of the Great Revival (2011)، التي تخلّد تأسيس الحزب الشيوعي وأدواره الوطنية.
تُظهر السينما الصينية اليوم قدرتها على فعل أكثر من مجرد الترفيه، فهي أداة فعالة في نهضة المجتمع وجزء لا يتجزأ من السياسة الثقافية للدولة. من خلال سرديات وطنية، وأفلام تحمل رسائل المجتمع والقيم، ومنافسة مدروسة لعالمية هوليوود، أصبحت السينما الصينية تجسيداً حياً لذات الصين المعاصرة ورغبتها في إعادة رسم موازين القوة الثقافية العالمية. وهي بذلك تقدم نموذجاً فريداً عن كيف يمكن لفن السينما أن يكون ميداناً للصراعات والتفاهمات بين الأمم في العصر الحديث.













تعليقات