النفوذ الإيراني في إفريقيا بعد الحرب مع إسرائيل: هل يتحوّل من هامشي إلى استراتيجي؟
- Next News
- 27 أغسطس 2025
- 3 دقيقة قراءة
بعد 12 يومًا من التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، وجدت طهران نفسها أمام تحدٍ حقيقي لإعادة تقييم سياستها الخارجية في ظل اختبار قاسٍ لقدراتها وتحالفاتها. وفي هذا السياق، تبرز القارة الإفريقية كمسرح محتمل لإعادة تموضع النفوذ الإيراني، خصوصًا بعد أن مثلت لسنوات ساحة بديلة بعيدًا عن نقاط التوتر التقليدية في الشرق الأوسط. هذا التحليل يسلط الضوء على ما إذا كانت إفريقيا ستتحول إلى أولوية حقيقية في الأجندة الإيرانية، أم أنها ستبقى مجرد هامش مؤقت.

دوافع إستراتيجية قديمة ومتجددة
منذ عام 2021، تبنت إيران توجهًا استراتيجيًا نحو إفريقيا بهدف كسر العزلة الدولية المفروضة عليها وإعادة تموضعها في نظام عالمي متغير. هذا التوجه يتجسد في عدة جوانب:
الوجود العسكري: تمتلك إيران قاعدة "عصب" في إريتريا، مما يمنحها موطئ قدم عند مضيق باب المندب الحيوي، ويسمح لها بدعم حلفائها كالحوثيين ومراقبة التحركات الغربية.
الأمن مقابل الاقتصاد: الشراكات الأمنية، مثل صفقة "اليورانيوم مقابل المسيّرات" مع النيجر، تعكس براغماتية إيران في تأمين موارد حيوية لبرنامجها النووي وتوفير الدعم الاستخباراتي والتكنولوجي للأنظمة الإفريقية.
النفوذ الأيديولوجي: استثمرت طهران في نشر التشيّع من خلال مؤسسات ثقافية ودينية مثل "جامعة المصطفى" لتكوين شبكات موالية لها في غرب وشرق إفريقيا.
السيطرة على طرق الإمداد البحرية: تسعى إيران إلى تأمين مواردها وخطوط إمدادها عبر البحر الأحمر، من خلال دعم الحوثيين في اليمن والسعي للوصول إلى موانئ السودان وجيبوتي.
التعاون متعدد الأوجه: تهدف إيران إلى تشكيل تحالفات مع أنظمة منبوذة دوليًا وتوسيع تعاونها في مجالات الأمن والسيادة الغذائية مع دول مثل أوغندا وتنزانيا.
النشاط الدبلوماسي المكثف: كثّفت طهران من زياراتها الدبلوماسية وزيادة سفاراتها ومراكزها التجارية في إفريقيا، مستغلةً الفراغ الذي تركه الانسحاب الغربي.
فرص ما بعد الحرب: تحوّل من الضرورة إلى الاستراتيجية
بعد التصعيد مع إسرائيل، تبدو الحاجة إلى إفريقيا أكثر إلحاحًا بالنسبة لطهران، لعدة أسباب:
تعويض خسائر الردع: بعد تعرض منشآتها لهجمات مباشرة، تسعى إيران إلى بناء عمق استراتيجي بديل في إفريقيا يُقلل من فعالية الردع الإسرائيلي ويخلق توازنًا جيوسياسيًا جديدًا.
توسيع "محور المقاومة": تحاول إيران توسيع نفوذها الأيديولوجي خارج الشرق الأوسط، مستغلة المشاعر المناهضة للغرب في القارة، خاصة في منطقة الساحل.
حشد الدعم الدبلوماسي: مع امتلاك الدول الإفريقية حوالي 28% من أصوات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تسعى إيران إلى كسب دعمها في المنتديات الدولية لمواجهة العزلة والضغوط.
استغلال الفراغ الجيوسياسي: تستفيد طهران من تراجع النفوذ الغربي، خاصة الفرنسي والأمريكي، لتقديم نفسها كشريك بديل للأنظمة العسكرية، كما حدث في النيجر.
تأمين موارد حيوية: في ظل العقوبات، تسعى إيران لتأمين موارد استراتيجية مثل اليورانيوم من النيجر، والذهب من مالي، والكوبالت من أوغندا، مما يجعل القارة عنصرًا حيويًا في معادلتها الأمنية.
تعزيز صورتها الدولية: تعمل طهران على تصدير صورة جديدة لنفسها كقوة مناهضة للهيمنة الغربية، وهو خطاب يلقى رواجًا في بعض البيئات الإفريقية.
الموقف الإفريقي: حذر وبراغماتية
رغم أن بعض الدول الإفريقية أبدت مواقف داعمة لإيران في مواجهة إسرائيل، فإن الموقف العام من الوجود الإيراني يتسم بالحذر والبراغماتية:
تجنب الانخراط الأيديولوجي: تخشى معظم الحكومات الإفريقية، خاصة في الدول ذات الأغلبية السنية، من التمدد الأيديولوجي الإيراني لتجنب التوترات المذهبية.
شراكات مؤقتة: العلاقات الإفريقية مع إيران غالبًا ما تكون قائمة على المصالح المؤقتة، مثل صفقات الأسلحة والموارد، وليست تحالفات استراتيجية طويلة الأمد.
الضغوط الخارجية: تواجه الدول التي تتقارب مع إيران ضغوطًا من شركائها التقليديين في الغرب، مما يحد من عمق علاقاتها مع طهران.
تداعيات التصعيد ومستقبل العلاقة
أدت التوترات الأخيرة إلى تهديد التوازن في مناطق هشة بإفريقيا، مثل القرن الإفريقي والساحل. هناك مخاوف متزايدة من أن تتحول هذه المناطق إلى ساحات لتصفية الحسابات بالوكالة بين إيران وخصومها. كما أن التوترات في مضيق باب المندب تهدد الأمن البحري لدول البحر الأحمر، مما يضع الحكومات الإفريقية أمام خيار صعب بين الانخراط في تحالفات أمنية أو المخاطرة بفقدان السيطرة على أراضيها.
في الختام، يبدو أن الحرب مع إسرائيل دفعت إيران إلى تكثيف انخراطها في إفريقيا، وتحوّل التوتر إلى دافع استراتيجي لتعويض الخسائر وتوسيع النفوذ. مستقبل هذه العلاقة يعتمد على ما إذا كانت ستتحول إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد قائمة على المصالح المتبادلة، أم ستبقى مجرد رهانات تكتيكية مؤقتة تمليها ظروف الأزمة.









تعليقات