لماذا الصين… لماذا الآن؟
- Fady Philip

- 14 سبتمبر 2025
- 2 دقيقة قراءة
لم يعد المشهد الدولي كما كان قبل عقد أو عقدين. القوة التي اعتاد العالم أن يعتبرها "الضامن" لأمن المنطقة العربية لم تعد على نفس الدرجة من الالتزام ولا الجدية. الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطر، في وقت لا يبعد فيه أكبر تمركز عسكري أمريكي في المنطقة سوى أميال قليلة، مثّل صدمة لكثير من العواصم العربية. الرسالة كانت واضحة: وجود أمريكا لا يعني بالضرورة حماية.

الولايات المتحدة، التي رفعت شعار "التحالفات الاستراتيجية" لعقود، تعيش اليوم حالة من الانكفاء السياسي والاضطراب الداخلي. الرئيس الحالي دونالد ترامب عاد إلى البيت الأبيض ببرنامج أكثر تشددًا من ولايته الأولى، مدعومًا بجماعة MAGA التي تمثل أقوى تيار يميني قومي في تاريخ أمريكا الحديث. هذه العودة لم تحمل طمأنة للحلفاء، بل على العكس، أكدت أن واشنطن باتت تنظر للعالم بعين المصلحة الضيقة وحدها، حتى لو كان ذلك على حساب التزاماتها التاريخية.
سياسات ترامب الحالية تكشف بوضوح أن الولايات المتحدة لم تعد الشريك الذي يمكن الاعتماد عليه طويل المدى. فهو لا يخفي نزعته الانعزالية، ولا تردده في التخلي عن شركائه إن لم تتوافق مصالحهم مع رؤيته. ومع تصاعد التيار اليميني، وانقسام الداخل الأمريكي، تبدو واشنطن أقل استعدادًا لحمل عبء القيادة العالمية الذي اعتادت عليه منذ عقود.
في المقابل، تطرح الصين نفسها بديلاً صاعدًا، لا من باب القوة العسكرية أو فرض الوصاية، بل عبر نموذج مغاير تمامًا: "التحديث الصيني النمط". جوهر هذا النموذج يقوم على التعاون دون تدخل، على الاستثمار والبنية التحتية والشراكات الاقتصادية بعيدًا عن الشروط السياسية والإملاءات.
الصين اليوم هي الشريك التجاري الأول لمعظم الدول العربية، وهي التي تقدم عبر مبادرة "الحزام والطريق" فرصة استراتيجية لتحويل المنطقة إلى عقدة وصل في شبكة التجارة العالمية الجديدة. من الموانئ إلى السكك الحديدية، ومن الطاقة إلى التكنولوجيا، تمثل بكين شريكًا يبحث عن المكاسب المتبادلة لا عن الهيمنة.
إن السؤال "لماذا الصين؟" لم يعد بحاجة إلى كثير من التبرير. الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، متقدمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والاتصالات، وتملك القدرة على تقديم بدائل عملية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الغرب.
لكن السؤال الأهم: "ولماذا الآن؟"
الجواب يكمن في التوقيت الحرج الذي يعيشه النظام الدولي. أمريكا تتراجع سياسيًا وأخلاقيًا، تنغمس أكثر في صراعاتها الداخلية، وتزداد انغلاقًا تحت قيادة تيار قومي متشدد. أوروبا منشغلة بأزماتها، وإسرائيل تزداد تغوّلًا، بينما الصين تبحث عن شراكات استراتيجية في الشرق الأوسط. اللحظة الحالية تمثل نافذة نادرة للعرب لخلق توازن جديد، يستند إلى علاقة مع قوة عظمى لا تسعى إلى فرض أجندة داخلية عليهم، بل إلى توسيع مصالحها المشتركة معهم.
إن العرب اليوم أمام خيار تاريخي: إما البقاء أسرى لتحالف اهتزت أسسه، أو الانفتاح على قوة صاعدة تقدم نموذجًا مختلفًا. السؤال لم يعد: "هل يجب التوجه إلى الصين؟"، بل أصبح: "متى وبأي سرعة؟". والإجابة لا تحتمل التأجيل: الآن.









تعليقات